فنمن نحن

أين الحياء ؟ ولا يزال مدمر الثقافة والشعر

نشرت أميمه المعداوى

مقال للدكتور رمضان الحضرى
أين الحياء ؟ ولا يزال مدمر الثقافة والشعر

 شهد تكليف أحمد عبدالمعطي حجازي بتنظيم الدورة الثالثة لملتقى القاهرة للشعر العربي ردود فعل غاضبة في المشهد الثقافي المصري، إذ وقّع عدد كبير من المثقفين المصريين على بيان يحتج على “استعادة أهل الحظيرة إلى صدارة المشهد، وكأننا مكانك سر، ولم تقم فينا ثورة ولا يحزنون”، كما طالب البيان بإعادة هيكلة وزارة الثقافة.

دمر جيل أحمد عبد المعطي حجازي المساحة الثقافية لسنوات عديدة, وتركوا لنا “حظيرة”. المفارقة أن حجازي نفسه هجا العقاد قبل نصف قرن لذات السبب من هيمنته على المشهد الثقافي المصري من المخزي أن حجازي منح نفسه جائزة في مؤتمر يرأسه، وشرح بنفسه حيثيات استحقاقه لها. الثقافة ومنظوماتها ومؤسساتها هي حائط الصد الأخير أمام المد الأصولي الذي بدأ يطفو على سطح الحياة في مصر وكان حجازي قد استقال أخيراً من عضوية لجنة الشعر في المجلس الأعلى المصري للثقافة. إلا أن ذلك لم يشفع له وأعتبره الكثير من المثقفين بأنه ما زال متفرداً في شأن الثقافة المصرية، خلال العقدين الأخيرين من الحياة الثقافية المصرية، منذ أن تولى وزير الثقافة السابق فاروق حسني منصبه حتى اليوم. وظلت آثار حجازي في معظم محاور الفعل الثقافي الرسمي. ولا يزال يتولى حالياً رئاسة مجلس أمناء “بيت الشعر” التابع لوزارة الثقافة، ورئاسة تحرير مجلة “إبداع” التي تصدرها وزارة الثقافة أيضاً.
الخروج من الحظيرة!
مصطلح الحظيرة الذي أطلقه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني والذي لم يفوّته المثقفون المصريون دون تعليق و”نكات” بطبيعة الحال، ورد في البيان الذي رفع احتجاجاً وجاء فيه: “في ظل هذه الظروف المؤسّية التي تنتاب بلادنا، بعد ثورة أُجهضت أو تكاد، نرى الجماعة الثقافية في حيرة وتقاعس بل في فوضى وتردّي حال، بين مواجهة التحالف الشيطانيّ مع السلطة، سواءً كانت أحادية محافظة أو دينية متهافتة، ومقاومة الفساد الثقافيّ الذي يحتفي بالرجعية الماضوية أو السلفية الإبداعية”.
وطالب الموقّعون على البيان، بإعادة هيكلة وزارة الثقافة، وحلّ جميع اللجان التي تقوم على إدارة الشأن الشعري في مصر وإبعاد الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي عن هذه المواقع، على اعتبار أنه أساء للشعر المصري أبلغ إساءة خلال أكثر من عشرين عاماً استطاع خلالها إقصاء كل التيارات الطليعية من المشهد المصري والعربي على حدّ سواء كما وصفه البيان.
24 استطلع آراء بعض المثقفين المصريين حول ذلك، عن دور حجازي وموقفه كعرّاب للثقافة المصرية حتى اليوم، وما إن كانت الثورة أفادت الثقافة أم لا.
يرى الشاعر فريد أبو سعدة أن حجازي شاعر كبير ورائد. “لكن مياه كثيرة جرت تحت الجسرـ عندما توقف عن الكتابة منذ ربع قرن ـ ولم يلحظ ذلك، وعندما لاحظ انتصر لقصيدته، مقصياً تيارات الشعر التي جاءت بعده من جنة الشعر! ربما كان موقفه هذا وراء من وصفوه ـ شططاً ـ بالسلفية والأقرب إلى الدقة أنه صار جزءاً من كلاسيكية الشعر الحر. ولأن ذائقته توقفت عند ما أنجزه مع غيره من الرواد الكبار فقد أصبح من الظلم أن يظل في موقعه، وأصبح من الضروري لحرية الإبداع أن يتنحى لمن يستطيع تفهم وتذوق جماليات القصيدة الجديدة، التي تسود الفضاء الشعرى الان رغم محاربته لها بضراوة”.
الشاعر حسونة فتحي يقدّم حجازي كصاحب تجربة شعرية فارقة ومواقف واضحة خلال فترات توليه مسؤوليات وهيئاتٍ ثقافية كثيرة في مسيرته الموغلة في التاريخ، ويستدرك: “الإيمان بحجازي يقتصر على المؤسسات الثقافية لا غير، ليجلس على رأس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى عشرين عاماً، وليكون مقرر ملتقى الشعر العربي بالقاهرة لأكثر من دورة، وليرأس لجنة جائزة الملتقى لأكثر من دورة، ولينال جائزة الملتقى في دورته الثانية مانحاً إياها لنفسه تفضيلاً عن الراحل العظيم محمد عفيفي مطر”.
ويضيف حسونة: “حين شُرفت بعضوية لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة خلال التجديد النصفي في فبراير 2012، أصرّ أغلبنا كأعضاء لجنة أن يتم اختيار المُقرر بالانتخاب، وبعد النتيجة بفوز شاعر العامية “ماجد يوسف” كمقرر فوجئنا باستقالة حجازي ومن كانوا مرشحين من رفاقه ومعهم آخرون، ظناً منهم أنه لن تقوم قائمة للجنة الشعر بعدهم، ولكن اللجنة استطاعت خلال شهور تقديم المشهد الشعري المصري كاملاً بكل مفرداته وتنوعه وأجياله، بشهادة الشعراء المصريين والعرب. إن المثقف الحقيقي لا مكان له سوى على يسار السلطة، وهذا ما لم يفلح حجازي في تحقيقه على مدار عقود”.
الثقافة منسية من الثورة
الناشرة فاطمة البودي، وصفت حجازي بأنه قامة شعريه عظيمة، وعليه أن يحتضن الجيل الجديد وأن تتواصل الأجيال لا أن تتناحر. الثقافة قاطرة التحضر، وعندما تتخبط الأوطان ويكون المشهد الثقافي مسيطراً عليه، لا يتفاعل ولا يثور ولا يعترض (المشهد الرسمي) فيكون التمرد هو رد الفعل المتوقع، الإبداع ثورة، الفن ثورة، والتحرر من قبضه الروتين والفساد والمحسوبيات أحد أهم ملامحها”.
الكاتبة والمترجمة هالة صلاح الدين، تقول: “من الهزل وصف أحمد عبد المعطي حجازي بالسلفي لأنه لم يكن قط سلفياً! لقد دمر جيل أحمد عبد المعطي حجازي المساحة الثقافية سنوات عديدة، وتركوا لنا “حظيرة” من المثقفين المدجَّنين، وفقاً لكلمات وزير الثقافة السابق فاروق حسني. لم يفسحوا المجال لغيرهم أو يعملوا على تسليم الراية من بعدهم، تم الاستحواذ على المشهد العام والمؤسسات الثقافية دون أن يبذلوا ما هو واجب، أي خلق طابور ثاني وثالث من المثقفين القادرين على إكمال مشروع التنوير. لقد قامت الثورة لتغيير كل ما هو فاسد، كل ما هو مدعٍ مزيف”.
وتضيف هالة: “أعتقد أننا أخطانا حين حسبنا أن التغيير لا بد أن يبدأ بالشق السياسي، التغيير كان يجب أن يكون اجتماعياً ثقافياً، أولاً، ومعه سوف يجيء التغيير السياسي تلقائياً. ولكني أخشى جداً من سيطرة أخرى للإسلاميين على هذا الجانب من الدولة المصرية، وهو أمرٌ وارد”.
من جانبه، يرى الشاعر سامي سعد أن حجازي كان في بداياته مجدداً مع عبد الصبور، لكنه لم يكن كمحمود درويش ذكياً، بل تورّط في سجال مع الشعراء الذين عدوه مجرد تاريخ لا ينبغي التوقف عنده،. في المحصلة، يمكن القول أن حجازي كان شاعراً، ثم تجاوزه الشعر، وهو لم يقدر على اللحاق بفرسه الجامحة”.
ويختتم سامي: “نعم، على الثورة أن تغير حتى الهواء إن استطاعت، وأن تكنس كل السقط من لم يكن ولو ذرة من غبارها، وهذا أضعف الإيمان. ولكني أقول في ديوان “كملك يتأهب للفرار”: “أما الزبد فيمكث في الأرض وأن ما ينفع الناس فيذهب للسماء”.
القاصة أسماء ياسين تصفه بأنه مبدع سلفي انقضى دوره ودور الفن الذي يقدمه، وعليه إفساح المجال أمام غيره، فرغم إنه وقف أمام العقاد من أجل إقرار حق قصيدة الشعر الحر في الوجود منذ أكثر من نصف قرن، إلا أنه هو من وقف ـ وما زال ـ حجر عثرة أمام قصيدة النثر.
تشرح ياسين: “في مجلة إبداع كان يرفض نشر قصائد النثر، وحتى قصائد العامية المصرية. كما منح نفسه جائزة في مؤتمر يرأسه، وقال بنفسه حيثيات استحقاقه لها! قامت الثورة لتغيير كل شيء، لكن ولأنها لم تكتمل على أصعدة أخرى، سياسيًا واجتماعيًا، فتوقع تغيير الوجوه الثقافية سيكون نوعًا من البلاهة، وتوقع المستحيل. رغم أن الثقافة ومنظوماتها ومؤسساتها هي حائط الصد الاخير أمام المد الأصولي الذي بدأ في الطفو على سطح الحياة في مصر”.
حجازي وتنظيم القاعدة!
الشاعر أحمد اليماني لا يرى في وصف حجازي بالسلفي أي غضاضة، على اعتبار أن الشعراء مثل أي جماعة بشرية أخرى تحمل كل الأفكار من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ولكن مشكلة حجازي ليست هذه، كما يشير اليماني، إذ يقول: “أظن أن إشكال حجازي هو ظنه أنه الصوت الأوحد للشعر المصري في زمن لم تعد فيه أصوات وحيدة ومن هنا تأتي هيمنته على المهرجانات وبيت الشعر وخلافه. على أية حال سواء قبل الثورة أو بعدها ليس منطقياً أن يدير شخص واحد فقط كل هذه الأمور وأن يمنح جائزة لمهرجان هو المسؤول عنه والأمر هنا أخلاقي أكثر منه فني، فمسألة الاستحقاق قد لا تكون هي موضع النقاش ولكن المسألة الأخلاقية سوف تبرز هنا وهو سلوك ربما لا يتناسب ووضعية الشاعر الكبير. بالطبع نحن بحاجة إلى الخروج من هذه الإدارات العتيقة والأهم هو الخروج من هذا النوع من التفكير المهيمن والذي نجده حالياً بشكل مواز في معظم مؤسسات الدولة كما يفعل الإخوان”.
الصحافي والكاتب سيد محمود يؤكد فكرة الأصولية بقوله: “على صفحتي في فيس بوك، سخرت قبل أيام، وكتبت أن حجازي من عناصر تنظيم القاعدة، رداً على مزاعم الفنانة رغدة بشأن اعتداء أصوليين من المعارضة السورية عليها خلال مشاركتها (عنوة) في ملتقى الشعر الأخير، لكني كنت أقصد في نفس الوقت التأكيد على صورة حجازي كزعيم سلفي أيضا، فعندما تراقب المشهد ترى أن تغييرات لجان المجلس الأعلى للثقافة بعد الثورة استبعدته بالانتخاب من قيادة لجنة الشعر، التي تولاها الشاعر ماجد يوسف لكنه بفضل علاقته مع أمين عام المجلس د.سعيد توفيق، تمكن من تولي رئاسة اللجنة التحضيرية للملتقي فدعا من شاء دعوته وبالتالي تحول الملتقى إلى تعبير عن شللية تنطوي على روح سلفية في نظرتها للشعر، وكانت أبحاث الملتقى مثيرة للشفقة بما تطرحه من دراسات عن الشعر الأندلسي وشعر الصعاليك! ولذلك بادر شعراء محترمون مثل جرجس شكري ومحمود قرني إلى المقاطعة ثم دبج آخرون بيانات لمواجهة حجازي ومشروعه السلفي في الشعر، هو شاعر كبير أدى دوره وينبغي أن نعامله كأيقونة، بدلاً من أن يتورط في معارك لا تليق بدوره الريادي”.
ويختتم سيد محمود بقوله: “المفارقة أن حجازي نفسه هجا العقاد قبل نصف قرن لأسباب شبيهة! وقال له: تعيب زماننا وأنت ضيف علينا، وهو الآن ضيفٌ على زماننا لكنه يزاحم على أشياء لا تليق به، كان يستحق جائزة الملتقى الماضي، نعم، ولكن بشرط أن يكون الاستحقاق من لجنة لا يرأسها هو. وعندما اختار نفسه كانت فضيحة لم يسلم من أثرها حتى الآن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى